الدكتور: احمد نعمه جوده عزيز
جامعة النهرين ــ كلية العلوم
شكّل انهيار الاتحاد السوفيتي في كانون الأول/ديسمبر 1991 تحولًا جوهريًا في النظام الدولي، إذ لم يؤدِّ إلى نهاية الحرب الباردة فحسب، بل أفضى أيضًا إلى ظهور خمس عشرة دولة مستقلة وجدت نفسها أمام إرث عسكري واقتصادي وسياسي ضخم. وكانت أوكرانيا من أهم هذه الدول، ليس بسبب موقعها الجغرافي وثقلها السكاني والاقتصادي فحسب، وإنما بسبب وجود جزء كبير من الترسانة النووية الاستراتيجية السوفيتية على أراضيها ، فقد وجدت أوكرانيا عند استقلالها نحو 1900 رأس نووي استراتيجي، إلى جانب 176 صاروخًا باليستيًا عابرًا للقارات و44 قاذفة استراتيجية. ومن الناحية العددية جعلها ذلك تبدو ثالث أكبر قوة نووية في العالم. إلا أن هذه الصورة تحتاج إلى قدر من التدقيق؛ فالأسلحة كانت موروثة من المنظومة السوفيتية، ولم تكن أوكرانيا قد امتلكت آنذاك منظومة وطنية متكاملة ومستقلة للقيادة والسيطرة والصيانة والتشغيل.
ومع ذلك، كان وجود هذه الترسانة يمنح الدولة الأوكرانية الجديدة ورقة استراتيجية مهمة في مرحلة شديدة الحساسية. وكان عليها أن تختار بين محاولة الاحتفاظ بها وبناء قوة نووية وطنية، أو التخلي عنها والانضمام إلى نظام عدم الانتشار النووي مقابل ترتيبات أمنية واقتصادية وسياسية ، اختارت كييف الطريق الثاني، وانتهت المفاوضات إلى التخلص من الأسلحة النووية والانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية بوصفها دولة غير نووية، مقابل الحصول على تأكيدات أمنية ومساعدات اقتصادية وتقنية.
وقد أعادت أحداث 2014 ثم الحرب الروسية الشاملة عام 2022 إحياء السؤال: هل أخطأت أوكرانيا عندما تخلت عن ترسانتها؟ وهل فعلت ذلك مقابل تعهد أمريكي شفوي بمنع الهجوم عليها أو إبقائها خارج حلف شمال الأطلسي؟
تبدو الإجابة أكثر تعقيدًا من هذه الرواية الشائعة. فالمسألة لم تكن صفقة بسيطة بين “السلاح النووي” و”الحياد”، وإنما تسوية دولية واسعة ارتبطت بمنع انتشار الأسلحة النووية وبإعادة ترتيب الأمن الأوروبي بعد الحرب الباردة.
Keywords
أوكرانيا ، روسيا ، الولايات المتحدة الامريكية ، الحرب الروسية – الاوكرانية ، الترسانة النووية الاوكرانية ، مذكرة بودابست.,Pages: 519-525